أبو علي سينا
20
التعليقات
تصوره مع موافقته لمتصوره . وإذا تصور لنا معنى ثم أردنا تحصيله كان تصوره لنا نفس إرادتنا له ، لكنا بعد ذلك نريد تحصيله « 1 » . والجمهور غافلون عن ذلك ، والمشهور عندهم أن القادر هو من إذا شاء فعل ، وإذا لم يشأ لم يفعل ، لا من يريد فيفعل أو لا يريد فلا يفعل دائما . فإن هاهنا أشياء مقرّا بها ، صحتها أن الخالق لا يريده قط ولا يفعله ، وهو مع ذلك قادر على فعله ، مثل الظلم . فإذن الشرط في القدرة قضية شرطية ، وهو أنه إذا شاء فعله وإذا لم يشأ لم يفعل . والشرطية لا يتعلق بصحتها أن يكون جزءاها صادقين ، فإنه يصح أن يكون جزءاها كاذبين . ومثال هذا لو كان الإنسان طيارا لكان يتحرك في الهواء - وهذه القضية صحيحة مع كذب مقدمها وتاليها . ويصح أيضا أن يكون المقدم كاذبا والتالي صادقا مع صحة القضية ، كما يقال : لو كان الإنسان طيارا لكان حيوانا . فإذن ليس يلزم من قولنا إن شاء فعل أنه يشاء حتى تصح هذه القضية : وهو إن شاء فعل ، ولم تصح بهذه القضية القدرة وإن خلت عن الاستثناء . وحق أنه لو كان جائزا أن يشاء والقدرة لا محالة تتعلق بالمشيئة إلا أن مشيئة الأول تستحيل أن تكون بالإمكان ، إذ ليس هناك دواع مختلفة ولا قسر ولا قهر ، بل هناك وجوب فقط ، فهو يفعل إذا شاء . وأما المشيئة فينا فبالإمكان . والقدرة فينا هي القوة ، والقوة ما لم يرجّح أحد الطرفين لم يكن أولى من الطرف الآخر . ولا بد في قدرتنا من وارد علينا من خارج ، ويكون ذلك الوارد هو المعيّن للفعل . ويكون بالتقدير من اللّه ، فيكون ذلك التقدير يسوق ذلك المعنى . والوارد علينا من خارج هو كالدواعى والإرادة من القسر وغيره . ولا تخلو قدرتنا من إمكان فتكون أفعالنا كلها بتقدير ، وتكون أفعالنا كلها بالخير . فإنه ما لم يرجح قوتنا وارد من خارج ولم يصح الفعل ويكون بتقدير اللّه فإن التقدير من اللّه هو يسوق ذلك المعين والمخصّص . وصدور الأشياء عن ذاته لغرض فهو رضاه لأنها تصدر « 2 » عنه ثم ترضى بصدورها عنه . والقدرة فيه يستحيل أن تكون بالإمكان ، فهو إذا فعل فقد شاء ، وإذا لم يفعل فإنه لم يشأ ليتم الفعل والقدرة . [ حكمة الواجب ] الحكمة : معرفة الوجود الواجب وهو الأول ، ولا يعرفه عقل كما يعرف هو ذاته . فالحكيم بالحقيقة هو الأول . والحكمة عند الحكماء تقع على العلم التام . والعلم التام في باب التصورات أن يكون التصور بالحد ، وفي باب التصديق أن يعلم الشئ بأسبابه إن كان له سبب . فأما ما لا سبب له فإنه يتصور بذاته ويعرف بذاته ، كواجب الوجود : فإنه
--> ( 1 ) ب : تحصله . ( 2 ) ب : لا أنها تصدر .